أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
147
العقد الفريد
قال : فما هو إلا أن فرغ حتى دخل رسول اللَّه أمير المؤمنين ومعه كركي « 1 » ، فقال : إن أمير المؤمنين يقرئك السلام وهو يعذرك فيما هاج بك من الدم ، وقد أمرك بالتخلف في منزلك إلى أن تغدو عليه إن شاء اللَّه ، ويقول : ما أهدي إلينا اليوم غير هذا الكركي . فشأنك به . قال : فالتفت السندي إلى جلسائه فقال : ما يضع بهذا الكركي ؟ فقال الحجام : يطبخ سكباجا « 2 » . قال السندي : يصنع كما قال . وحلف على الحجام الّا يبرح ؛ فحضر الغذاء فتغدّينا وهو ينظر ، ثم قدّم الشراب ، فلما دارت الأقدام قلت : يعلّق الحجام من العقبين « 3 » ! ثم قلت : جعلت فداك ! سألني عن المنازل والسكك « 4 » التي قدمت عليها وأنا مشغول في ذلك الوقت ؛ وأنا أقصها عليك [ الآن ] فاستمع : خرجت من خراسان وقت كذا ، فنزلت كذا . . . يا غلام ، اضرب ! فضربه عشرة أسواط ؛ ثم قلت : وخرجت منه إلى مكان كذا . . . يا غلام ، أوجع ! فضربه عشرة أسواط أخرى ؛ ولم يزل يضربه لكل سكة عشرة ، حتى انتهى إلى سبعين سوطا فالتفت إليّ الحجام وقال : يا سيدي ، سألتك باللَّه ، إلى أين تريد أن تبلغ ؟ قلت : إلى بغداد . قال : لست تبلغ حتى تقتلني . قلت : فأتركك على ألّا تعود ؟ قال : واللَّه لا أعود أبدا . قال : فتركته ، وأمرت له بسبعين درهما : فلما دخلت على المأمون أخبرته الخبر ؛ فقال : وددت أنك بلغت به إلى أن تأتي على نفسه . فتوى أبي ضمضم : أتت جارية أبا ضمضم فقالت : إن هذا قبّلني . فقال قبّليه ، فإنّ اللَّه يقول : وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ « 5 » . وارتفع رجلان إلى أبي ضمضم ، فقال أحدهما : أبقاك اللَّه ، إن هذا قتل ابني .
--> ( 1 ) الكركي : طائر كبير ، اغبر اللون ، طويل العنق والرجلين ، ابتر الذنب ، قليل اللحم ، يأوي إلى الماء أحيانا . ( 2 ) السكباج : طعام يعمل من اللحم والخلّ مع توابل وأفاويه . ( 3 ) العقابان : خشبتان يشبح الرجل بينهما فيجلد . ( 4 ) السكك ، جمع سكة : الطريق المستوي . ( 5 ) سورة المائدة الآية 45 .